الغزالي

38

إحياء علوم الدين

أن يكونوا هم المأخوذين ، فهذا حال المقربين ، فما ظنك بالعصاة المجرمين ؟ وعند ذلك يبادر أقوام من شدة الفزع فيقولون للملائكة : أفيكم ربنا ؟ وذلك لعظم موكبهم ، وشدة هيبتهم . فتفزع الملائكة من سؤالهم إجلالا لخالقهم عن أن يكون فيهم ، فنادوا بأصواتهم منزهين لمليكهم عما توهمه أهل الأرض ، وقالوا سبحان ربنا ما هو فينا ، ولكنه آت من بعد . وعند ذلك تقوم الملائكة صفا محدقين بالخلائق من الجوانب ، وعلى جميعهم شعار الذل والخضوع وهيئة الخوف والمهابة لشدة اليوم ، وعند ذلك يصدق الله تعالى قوله « 1 » * ( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ولَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنَّا غائِبِينَ ) * وقوله * ( فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ) * « 2 » فيبدأ سبحانه بالأنبياء * ( يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) * « 3 » . فيا لشدة يوم تذهل فيه عقول الأنبياء ، وتنمحى علومهم من شدة الهيبة ، إذ يقال لهم ما ذا أجبتم وقد أرسلتم إلى الخلائق ، وكانوا قد علموا فتدهش عقولهم فلا يدرون بما ذا يجيبون ، فيقولون من شدة الهيبة لا علم لنا ، إنك أنت علام الغيوب . وهم في ذلك الوقت صادقون ، إذ طارت منهم العقول ، وانمحت العلوم ، إلى أن يقوّيهم الله تعالى ، فيدعى نوح عليه السلام ، فيقال له : هل بلغت ؟ فيقول نعم . فيقال لأمته هل بلغكم ؟ فيقولون ما أتانا من نذير . ويؤتى بعيسى عليه السلام ، فيقول الله تعالى له : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله ؟ فيبقى متشحطا تحت هيبة هذا السؤال . ثم تقبل الملائكة ، فينادون واحدا واحدا ، يا فلان بن فلانة ، هلم إلى موقف العرض . وعند ذلك ترتعد الفرائص وتضطرب الجوارح ، وتبهت العقول ، ويتمنى أقوام أن يذهب بهم إلى النار ، ولا تعرض قبائح أعمالهم على الجبار ، ولا يكشف سترهم على ملأ الخلائق

--> « 1 » الأعراف : 6 ، 7 « 2 » الحجر : 92 « 3 » المائدة : 109